دال - إشكالية الدين والتدين أسئلة، مقارانات، نماذج
دال - إشكالية الدين والتدين أسئلة، مقارانات، نماذج

إشكالية الدين والتدين أسئلة، مقارانات، نماذج

تأليف:
يونس الوكيلى - عكاشة بن مصطفى - محمد الجيلانى

تــقــديــم
في بسط إشكالية الدين والتدين    
استوت إشكالية الدين والتدين في الفكر العربي الإسلامي الراهن بهذه الصيغة الثنائية، لتمثل جماع إشكاليات العقل المسلم العربي في علاقته مع الدين. لذلك، لا نستغرب صدور ثلاثة كتب على الأقل في السنوات الثلاث الأخيرة بهذا العنوان، وهي على التوالي: "اجتماعيات الدين والتدين: دراسات في النظرية الاجتماعيةالإسلامية" للشيخ حسين أحمد شحادة، و"الدين والتدين: التشريعوالنص والاجتهاد" للمستشار عبد الجواد ياسين، ثم "الدين و العلمانية في سياق تاريخي: الدين والتدين" للدكتور عزمي بشارة

على الرغم من أن المؤلفات الثلاثة اختلفت رهاناتها، حيث انشغل المؤلف الأول بعلاقة الدين بالعلوم الاجتماعية؛ والثاني بعلاقة الدين بالسياسة، فيما انكبالثالث على علاقة الدين بالعلمانية، لكن كلها وجدت في صيغة الدين والتدين العنوان العريض لتوصيف إشكالاتها المعرفية. يعكس طرح المسألة الدينية في الزمن الراهن بهذا الشكل نقطة في غاية الأهمية تتمثل في هيمنة منطق العلوم الإنسانية التي اشتغلت طوال تاريخها على السؤال الديني من منطلق إبدالات تميز بالضرورة بين الدين والتدين. 
ترجع العلاقة بين الدين والتدين في أصولها النظرية إلى الثنائية الكلاسيكية بين الثابت والمتغير، الفكر والممارسة، المثال والواقع، الجاهز والمعيش، النهائي واللانهائي. يفترض الانطلاق من هذه العلاقة أنها معطى بديهي يعيه العقل الإنساني في تعاطيه مع الدين من حيث التمثل والممارسة والتجربة، كما يتعاطى مع باقي نشاطاته الوجودية الأخرى. 
غير أن الواقع التاريخي والمعاصر، يؤكد أن المؤمن فردا وجماعة وخطابا، يعيش حالة إنكار ويطابق دوما بين الدين والتدين، ولم يشذ عن ذلك دين من الأديان أو فرقة من الفرق أو مذهب من المذاهب. لقد ألِف العقل الديني هذه المطابقة الضامنة وحدها لمصداقية اعتقاده واطمئنانه الوجودي وحظوته الاجتماعية. ومرد ذلك في التحليل الأخير، بالنسبة للمؤمن، أن الحقيقة واحدة ووحيدة، لا تقبل أن تتوزع على طرفين أو تكون في موضعين

وليس واردا إدراك ضرورة الاعتراف بمبدإ التدين وقابليته التدين تبعا لتغير المكان والزمان والأحوال، بحسبان أن الإدراك في حد ذاته سبيل يفضي إلى زمنية الفعل الإنساني الديني، ومن ثمة إرساء مقدمات الاختلاف والتعايش المشترك. هكذا انتهى العقل الديني إلى اعتبار الدين، فقط، في تماه مستقر ومستمر، دون أن يطلق اسما محددا على ممارسة الدين. إن غياب المبدإ على صعيد الوعي لا يعني غيابه على صعيد الممارسة

والحال هكذا، يصبح تحليل العناصر المختلفة للمسافة الفاصلة بين طرفي العلاقة من أصعب المهام البحثية؛ فبقدر تعقد التفاصيل والأحداث والآليات والمصالح والرهانات التي صنعت المطابقة وسحبت إحداهما على الآخر لجهة تضخيم الدين وتبخيس التدين أو لجهة تبخيس الدين وتضخيم التدين، بقدر تعقد تفكيك العلاقة بتنوع أشكالها وردّها إلى موقعها الأصلي وحجمها الطبيعي في أفق تنسيب المطلق في خضم الفعل والاعتراف بالفاعلية الإنسانية في التاريخ

على هذا المنوال، سارت حركات الإصلاح الإسلامي، ولم تنتبه لأهمية التمييز بين الدين والتدين كمهمة ذات أولوية في بناء فكرة الإصلاح إزاء الواقع القائم، بل كرّست دعواتها ومشروعية خطابها دوما، باعتبارها الأكثر تطابقا مع الدين، مما أدى إلى إعادة إنتاج نفس المسلكيات الفكرية في مقاربة الإصلاح دون مساءلة المنطلقات الفكرية المؤسِسة، وعلى رأسها دعوى مطابقة التدين للدين كحالة تترتب عليها نتائج عملية تتمثل في بناء الأنساق الشمولية

من هذا منطلق، اختار قسم الدراسات الإنسانية للدين بمؤسسة مؤمنون بلا حدود إشكالية "الدين والتدين" مفتَتَحا لسلسلة ورشاته، آملا أن يضع بين يدي القارئ في هذا الكتاب وجهات نظر مختلفةومتنوعة،تتوزع بين التناول النظري الإبستيمولوجي في قسم أول، ومطارحات في الفكر الإسلامي المعاصر في قسم ثان، ثم نماذج لمقاربة التدين في الاجتماع المغاربي في القسم الأخير. ويبقى الرابط الأساسي بين الأوراق جميعا المساءلة العلمية للسؤال الديني في حركة التاريخ المحلي أو الشامل، كل من زاوية فهمه الخاص

في الختام، أشكر كل الزملاء الباحثين المشاركين بأوراق والمشاركين في النقاش. والشكر موصول لكل العاملين في مؤسسة مؤمنون بلا حدود وسهرهم المتفاني في إنجاح اللقاء. ونتمنى أن تكون هذه الورشة محطة مشرقة على درب الإبداع والتنوير تليها محطات أخرى

د. يونس الوكيلي